أغلب اللغات في العالم نشأت بعد سيطرة لهجة على باقي اللهجات المجاورة.
من منظور علم اللغات الاجتماعي (Sociolinguistics) يؤكد أن "اللغة هي لهجة تملك جيشاً وفدائياً" (كما قال اللغوي ماكس فاينرايش). تحول اللهجة إلى لغة رسمية ومعيارية لا يعود لتمتعها بخصائص لغوية خارقة، بل نتيجة لعوامل سياسية، عسكرية، دينية، أو اقتصادية جعلت الإقليم الذي يتحدث بها مركزاً للقوة.
1. اللغة الإنجليزية (English)
اللهجة التي سيطرت: لهجة لندن والشرق الأوسط (East Midlands Dialect).
قصة الصعود: في العصور الوسطى، كانت إنجلترا مجزأة إلى لهجات متعددة (شمالية، غربية، جنوبية، ووسطى). مع حلول القرن الرابع عشر والخامس عشر، تحولت لندن إلى المركز السياسي (مقر الملك والبرلمان)، والاقتصادي (حركة التجارة)، والديني في البلاد.
نقطة التحول: عندما أدخل "ويليام كاكستون" آلة الطباعة إلى إنجلترا عام 1476، اختار طباعة الكتب بلهجة لندن والمناطق المحيطة بها (East Midlands) لأنها كانت مفهومة لدى أكبر عدد من التجار والنخبة. هذا الاختيار التقني والمادي ثبّت هذه اللهجة كمعيار وحيد، وتطورت لتصبح ما يُعرف اليوم بالإنجليزية المعيارية الحديثة.
2. اللغة الإسبانية (Spanish)
اللهجة التي سيطرت: اللهجة القشتالية (Castilian / Castellano).
قصة الصعود: بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تفرع اللاتيني العامي في شبه الجزيرة الأيبيرية إلى لهجات متعددة (جاليكية، أستورية، أراغونية، قشتالية). كانت "قشتالة" (Castile) مملكة صغيرة في شمال ووسط إسبانيا، لكنها قادت حركة "الاسترداد" (Reconquista) ضد الوجود الإسلامي في الأندلس وتوسعت جنوباً.
نقطة التحول: في القرن الثالث عشر، أمر الملك "ألفونسو العاشر" (الملقب بالحكيم) بجعل لهجة قشتالة اللغة الرسمية للمحاكم والوثائق الإدارية والترجمات بدلاً من اللاتينية. ومع توحيد إسبانيا سياسياً تحت حكم الملكين الكاثوليكيين (فرناندو وإيزابيلا) عام 1492 واكتشاف أمريكا، نُشِرت اللهجة القشتالية كـ "لغة الإمبراطورية"، واليوم ما زال مصطلح Castellano يُستخدم في أمريكا اللاتينية كمرادف للغة الإسبانية.
3. اللغة الفرنسية (French)
اللهجة التي سيطرت: لهجة "فرانسين" (Francien) - لهجة منطقة باريس وإقليم (Île-de-France).
قصة الصعود: في القرون الوسطى، كانت فرنسا منقسمة لغوياً إلى قسمين عظيمين: لغات الأوك (Langues d'oc) في الجنوب، ولغات الأوي (Langues d'oïl) في الشمال. وكانت "فرانسين" مجرد لهجة محليّة تابعة للغات الشمال.
نقطة التحول: مع صعود أسرة "كابيه" الحاكمة وتوطيد نفوذ الملوك الفرنسيين وجعل باريس عاصمة سياسية واقتصادية وثقافية للبلاد، بدأت لهجة البلاط الباريسي تكتسب هيبة اجتماعية. وفي عام 1539، أصدر الملك فرنسيس الأول "مرسوم فيلير كوتري" (Ordonnance de Villers-Cotterêts) الذي فرض استخدام هذه اللغة في كافة المعاملات القانونية والإدارية، ثم جاءت الثورة الفرنسية وقوانين التعليم الإلزامي لتسحق باقي اللهجات واللغات الإقليمية (كالبيريتونية والقسطانية).
4. اللغة الإيطالية (Italian)
اللهجة التي سيطرت: اللهجة الفلورنسية (Florentine / Tuscan Dialect) - لهجة إقليم توسكانا.
قصة الصعود: على عكس الدول الأخرى، لم تسيطر هذه اللهجة بفضل قوة الجيش أو العاصمة السياسية، بل بفضل القوة الثقافية والأدبية. حتى القرن التاسع عشر، لم تكن إيطاليا دولة موحدة بل كانت عبارة عن ممالك وجمهوريات مشتتة تتحدث لهجات متباعدة جداً (النابولية، الفينيسية، الصقلية...).
نقطة التحول: خلال القرن الرابع عشر، كتب أعظم أدباء إيطاليا: دانتي أليغييري (في ملحمته الكوميديا الإلهية)، وبتراركا، وبوكاتشيو روائعهم الأدبية بلهجة مدينتهم "فلورنسا". نظراً للعمق الأدبي والجمالي لهذه الأعمال، تبنت النخب الثقافية في كل أقاليم إيطاليا هذه اللهجة كلغة للكتابة والفكر، وعند
5. اللغة الصينية القياسية (Mandarin)
اللهجة التي سيطرت: لهجة بكين (Beijing Dialect).
قصة الصعود: الصين قارة لغوية شاسعة تحتوى على مئات اللهجات واللغات غير المفهومة فيما بينها (مثل الكانتونية والشانغهاية). تاريخياً، كانت الإمبراطورية تحتاج إلى لغة تواصل مشتركة بين الموظفين والمبعوثين الرسميين القادمين من أقاليم مختلفة، وكان يُطلق على لغة هؤلاء الموظفين اسم "غوانخوا" (Guanhua) أي "لغة المسؤولين" (والتي ترجمها الغربيون إلى "الماندرين").
نقطة التحول: نظراً لأن "بكين" كانت عاصمة سلالتي "مينغ" و"تشينغ" المتعاقبتين، أصبحت لهجة بكين المحليّة هي الأساس الصوتي والنحوي للغة الماندرين. وفي القرن العشرين (بعد التغيرات السياسية وتأسيس جمهورية الصين الشعبية)، تم تقنين هذه اللهجة وتطويرها رسمياً تحت اسم "بوتينغهوا" (Putonghua) أي "اللغة المشتركة"، وهي ما يُعرف عالمياً اليوم بالصينية القياسية.
6. اللغة العربية (Arabic)
اللهجة التي سيطرت: لهجة قريش (اللهجة الحجازية المشتركة / الفصحى المبكرة).
قصة الصعود: قبل الإسلام، كانت شبه الجزيرة العربية تموج بلهجات قبلية مختلفة (لهجات تميم، أسد، هذيل، قريش...). ورغم وجود الفروق، كانت هناك "لغة شعرية مشتركة" (Koiné) تستخدم في الأسواق الكبرى كعكاظ وفي المعلقات، وكانت لهجة قريش في مكة تتمتع بمركز الصدارة نظراً لمكانتها التجارية والدينية (السدانة والسقاية).
نقطة التحول: نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، معتمداً البنية الفصحى المشتركة التي كانت قريش مركز ثقلها الأساسي. ومع الفتوحات الإسلامية وتأسيس الدواوين في العصر الأموي والعباسي، تحولت هذه اللهجة المصقولة إلى لغة الإدارة والعلم والدين من الأندلس إلى حدود الصين، وتطورت إلى "العربية الفصحى الحديثة" التي نكتب بها اليوم، بينما تفرعت الألسن العامية في الشارع إلى اللهجات الدارجة الحالية.
خلاصة لغوية:
يتضح من هذا الاستعراض أن تطور اللغات يتبع دائماً معادلة ثلاثية الأبعاد:
لهجة محليّة+مركز قوة (سياسي/ثقافي)+قرار تدوين وتقنين=لغة عالمية معيارية
هل ستخضع اللغة الامازيغية لنفس القاعدة ؟
ان كان الجواب نعم، ما هي اللهجة التي ستسيطر على باقي اللهجات؟
0 التعليقات:
إرسال تعليق