آخر المواضيع
تحميل ...
الجمعة، 26 يونيو 2026

ذكرى رحيل شهيد القضية الامازيغية، معطوب الوناس

 


في الثامن والعشرين من يونيو من كل عام، تتجدد في قلوب
الملايين ذكرى رحيل قامة فنية ونضالية فذة، تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الثقافة الأمازيغية والجزائرية والعالمية؛ إنه معطوب الوناس. رحل "المتمرد" جسداً في عام 1998، لكن صوته ما زال يتردد في أعالي جبال جرجرة، حاملاً قيم الحرية، والهوية، والعدالة الاجتماعية.

معطوب الوناس: قيثارة التمرد وصوت الهوية الذي لا يموت

تمر السنون، وتبقى ذكرى رحيل الفنان الأمازيغي الجزائري معطوب الوناس محطة استثنائية لاسترجاع مسيرة رجل لم يكن مجرد مغنٍ يطرب الآذان، بل كان ظاهرة ثقافية ونضالية صاغت بكلماتها وألحانها وعيها الجمعي. لُقّب بـ "المتمرد" (Le Rebelle)، وعاش حياته مدافعاً عن الكلمة الحرة والهوية الأمازيغية، ودفع حياته ثمناً لمواقفه الصلبة.

الصوت الحاد في زمن الصمت

ولد الوناس في يناير 1956 في قرية "تاوريرت ميمون" بمنطقة القبائل بالجزائر، ونشأ في بيئة ريفية غنية بالموروث الشفهي والشعري. منذ بداياته الفنية، اختار ألا تكون أغانيه للترفيه العابر، بل جعل من قيثارته وسيلة للاحتجاج، ومن حنجرته القوية صرخة في وجه التهميش والظلم.


تميزت أعماله بمزيج فريد من الموسيقى الشعبية الأمازيغية والجرأة السياسية والاجتماعية غير المسبوقة. ولم يتردد يوماً في انتقاد السلطة، ومحاربة التيارات الظلامية، والدفاع المستميت عن إدراج اللغة الأمازيغية كعنصر أساسي في الهوية الوطنية.
محطات من التضحية والصمود

لم تكن مسيرة معطوب الوناس مفروشة بالورود، بل كانت سلسلة من المعارك والمواجهات التي كادت تودي بحياته أكثر من مرة قبل اغتياله:

عام 1988: أصيب بجروح خطيرة بعد تعرضه لإطلاق نار من قبل رجال الدرك أثناء توزيعه لمنشورات تدعو للهدوء خلال أحداث أكتوبر، وخضع لعدة عمليات جراحية معقدة.


عام 1994: اختُطف من قبل جماعة مسلحة (الجماعة الإسلامية المسلحة - GIA) واحتُجز لعدة أسابيع تحت تهديد الموت، وهو ما أثار موجة تضامن عارمة وشبه شعبية حتى أُطلق سراحه.
"إنني لست مجرد مغنٍ، أنا شاهد على عصري، صوته يعلو حين يحاول الآخرون فرض الصمت." — معطوب الوناس

الاغتيال الحزين والخلود الأبدي

في 25 يونيو 1998، امتدت يد الغدر واغتيل معطوب الوناس في كمين مسلح بمنطقة "تالة بونان" بينما كان رفقة عائلته. سقط الوناس شهيداً لمبادئه، وهزّ خبر وفاته الجزائر والعالم، وخرجت الحشود الغفيرة لتوديعه في جنازة تاريخية امتزجت فيها دموع الحزن بهتافات التمسك بهويته وثقافته.
إرث لا يطاله النسيان

اليوم، بعد مرور سنوات طويلة على رحيله، يثبت معطوب الوناس أن الأفكار لا تموت برصاص الغدر. تتجلى مظاهر تخليد ذكراه في:

استمرارية أغانيه:
ما زالت ألبوماته مثل "Assirem" (الأمل) و*"Lettre ouverte aux..."* (رسالة مفتوحة إلى...) تُسمع وتُلهم الأجيال الجديدة.


رمزية النضال الأمازيغي:
 تحول الوناس إلى رمز عالمي للدفاع عن لغات الشعوب الأصلية وثقافاتها ضد الطمس.

العمق الإنساني:
تجاوزت رسائله البعد المحلي لتلامس قيم الحرية الفردية وحرية التعبير في كل مكان.

إن إحياء ذكرى وفاة معطوب الوناس ليس مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هو تجديد للعهد مع القيم التي عاش ومات من أجلها. لقد أثبت "المتمرد" بدمائه وكفاحه أن الفنان الحقيقي هو من يسخر فنه ليكون درعاً وسيفاً للدفاع عن كرامة الإنسان وهويته. رحل الوناس بجسده، لكن قيثارته ستبقى تعزف لحن الحرية إلى الأبد.

0 التعليقات:

إرسال تعليق