نعم، توجد مدن ومستوطنات حضرية بناها الأمازيغ واستوطنوها في شمال إفريقيا قبل وصول الفينيقيين، حيث أثبتت الحفريات الأثرية الحديثة وكتابات المؤرخين الكلاسيكيين أن الأمازيغ لم يكونوا مجرد رحّل، بل أنشأوا مجتمعات زراعية مستقرة ومراكز حضرية على طول السواحل وفي الداخل قبل القرن التاسع قبل الميلاد (تاريخ التواجد الفينيقي).
تجد في السطور التالية أبرز هذه المدن والمستوطنات، مدعومة بالدلائل الأثرية ومصادر المؤرخين:
بعض الامثلة لمدن ومستوطنات أمازيغية سبقت الفينيقيين
- ليكسوس (Lixus - العرائش الحالية، المغرب):
- الدليل التاريخي والأثري: كشفت الحفريات العميقة في موقع "تشوميش" بمدينة ليكسوس عن طبقات استيطان أمازيغية تعود إلى العصر البرونزي المتأخر. عُثر في هذه الطبقات على فخار محلي مصنوع يدويًا، وأدوات برونزية، وبقايا معمارية سابقة بالكامل لظهور الفخار الفينيقي المصقول. هذا يعني أن الفينيقيين عندما حلوا بالمدينة في القرن الثامن قبل الميلاد، وجدوا مستوطنة أمازيغية قائمة ومندمجة في شبكة التبادل الأطلسي.
- المصدر: المؤرخ والجغرافي الروماني بلينيوس الأكبر في كتابه (التاريخ الطبيعي - Naturalis Historia)، أشار إلى قدم ليكسوس ومستوطنيها الأصليين (الليكوسيين) والذين ذكرهم أيضًا حانون القرطاجي في رحلته الشهيرة باسم "الليكستيون" (Lixitae).
- موقع وادي بهت وقرية كاش كوش (المغرب):
- الدليل التاريخي والأثري: أحدثت الاكتشافات المنشورة في المجلة العلمية العالمية Antiquity ثورة تاريخية. حيث تم الكشف عن مجتمعات زراعية وحضرية منظمة في وادي بهت تعود للفترة ما بين (3400-2900 قبل الميلاد)، وهي أقدم تجمع زراعي واسع النطاق في إفريقيا خارج وادي النيل. كما أثبتت حفريات قرية كاش كوش (بمنطقة واد لاو) وجود تنظيم اجتماعي ومساكن وصوامع تخزين تعود إلى 2200 قبل الميلاد، أي قبل الفينيقيين بقرون طويلة.
- سيرتا (Cirta - قسنطينة الحالية، الجزائر):
- الدليل التاريخي والأثري: رغم أن الفينيقيين تاجروا معها لاحقًا، إلا أن سيرتا نشأت في الأصل كقلعة جبلية حصينة اتخذها الزعماء الأمازيغ مركزًا تجمعيًا قبل أن تصبح العاصمة الرسمية للمملكة النوميدية الموحدة. الاسم نفسه مشتق من الجذور اللغوية المحلية (وتعني القرية أو المدينة المحصنة باللغة الليبية القديمة/الأمازيغية).
- المصدر: المؤرخ الإغريقي سترابو في موسوعته (الجغرافيا - Geographica)، والمؤرخ بوليبيوس، حيث أكدا على وجود هذه المراكز الداخلية المستقلة لملوك نوميديا والليبين الأصليين قبل التوسع القرطاجي في الداخل.
- أنفا (Anfa - الدار البيضاء الحالية، المغرب):
- الدليل التاريخي والأثري: تشير الأبحاث الطوبونيمية (علم أسماء المواقع) والأثرية إلى أن أنفا مستوطنة أمازيغية تعود إلى العصر الحجري الحديث. كانت قائمة كميناء طبيعي محلي وموقع استراتيجي فوق الهضبة المرتفعة قبل أن يستعملها الفينيقيون والقرطاجيون كمرسى تجاري ومحطة توقف في رحلاتهم نحو الصويرة (أمقدول).
جدول مقارنة: طبيعة المواقع قبل وبعد التواجد الفينيقي
| اسم الموقع/المدينة القديم | الفترة الزمنية الأمازيغية (ق.م) | طبيعة الموقع قبل الفينيقيين |
|---|---|---|
| مستوطنة ليكسوس الكلاسيكية | القرن 10 - 9 ق.م وأقدم | مركز برونزي محلي ومجتمع زراعي مستقر |
| موقع وادي بهت الحضري | 3400 - 2900 ق.م | أضخم مجمع زراعي منظم خارج وادي النيل |
| مستوطنة كاش كوش | 2200 ق.م | قرية منظمة، مساكن دائرية، وصناعة المعادن |
| أنفا القديمة | العصر الحجري الحديث | مرسى صيادين ونقطة مراقبة ساحلية مرتفعة |
أدلة من كتب المؤرخين الكلاسيكيين والمسلمين
- كتاب الاستقصاء (التاريخ) للمؤرخ الإغريقي هيرودوت (القرن 5 ق.م):
- يذكر هيرودوت بالتفصيل القبائل الليبية المستقرة (الأمازيغ القدامى) في شمال إفريقيا. ويشير إلى "الليبيين المزارعين" الذين يملكون بيوتًا ويعيشون في تجمعات مستقرة غرب نهر تريتون، تميزًا لهم عن الليبيين الرعاة، وهو ما يثبت وجود نمط الحياة الحضري المبني على الاستقرار والبناء قبل التأثيرات الخارجية.
- كتاب "تاريخ ابن خلدون" (ديوان المبتدأ والخبر):
- يتحدث ابن خلدون في مجلداته الخاصة بالبربر عن أقدمية الأمازيغ واستقرارهم. ويذكر أنهم: «أمة عظيمة شحنت فضاء شمال إفريقيا، وبنوا الحصون والمدن والديار قبل وجود العائلات الوافدة»، موضحًا أن تشييدهم للقصور (مثل إيكودار أو الحصون القديمة) كان نابعًا من حاجتهم للدفاع عن محاصيلهم الزراعية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق